علي بن محمد البغدادي الماوردي

207

النكت والعيون تفسير الماوردى

والثاني : تحذيرا من المخالفة . ثم أعاد اللّه تعالى تأكيد أمره ، ليخرج من قلوبهم ما استعظموه من تحويلهم إلى غير ما ألفوه ، فقال : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ فأفاد كل واحد من الأوامر الثلاثة مع استوائها في التزام الحكم فائدة مستجدة : أما الأمر الأول فمفيد لنسخ غيره ، وأما الأمر الثاني فمفيد لأجل قوله تعالى : وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ أنه لا يتعقبه نسخ . وأما الأمر الثالث فمفيد أن لا حجة عليهم فيه ، لقوله : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ . ثم قال تعالى : إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ليس يريد أن لهم عليكم حجة . وفيه قولان : أحدهما : أن المعنى ، ولكن الذين ظلموا قد يحتجون عليكم بأباطيل الحجج ، وقد ينطلق اسم الحجة على ما بطل منها ، لإقامتها في التعلق بها مقام الصحيح حتى يظهر فسادها لمن علم ، مع خفائها على من جهل ، كما قال تعالى : حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ فسمّاها حجة ، وجعلها عند اللّه داحضة . والقول الثاني : أن المعنى لئلّا يكون للناس عليكم حجّة بعد الذين ظلموا ، فتكون ( إلّا ) بمعنى ( بعد ) ، كما قيل في قوله تعالى : وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ [ النساء : 22 ] أي بعد ما قد سلف . وكما قيل في قوله تعالى : لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى [ الدخان : 56 ] أي بعد الموتة الأولى . وأراد بالذين ظلموا قريشا واليهود ، لقول قريش حين استقبل الكعبة : قد علم أننا على هدى ، ولقول اليهود : إن رجع عنها تابعناه . فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي في المخالفة وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ يحتمل وجهين : أحدهما : فيما هديناكم إليه من القبلة . والثاني : ما أعددته لكم من ثواب الطاعة .